سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول
للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى
الحديث رقم 230
" زادك الله حرصاً , ولا تعد " .
قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 404 :
رواه أبو داود والطحاوي وأحمد والبيهقي وابن حزم من حديث # أبي بكرة # أنه جاء و رسول الله صلى الله عليه وسلم راكع , فركع دون الصف , ثم مشى إلى الصف , فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته , قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ? فقال أبو بكرة : أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : وإسناده صحيح على شرط مسلم , وأصله في " صحيح البخاري " وقد خرجته في " إرواء الغليل " ( رقم 684 , 685 ) .
والقصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي إليه , على خلاف ما دل عليه الحديث السابق , فكيف التوفيق بينهما ? فأقول :
إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر , إلا بطريق الاستنباط لا النص , فإن قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة , وقد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور :
الأول : اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط .
الثاني : إسراعه في المشي , كما في رواية لأحمد ( 5 / 42 ) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع , فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر ( أي يعدو ) يريد أن يدرك الركعة , فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال : من الساعي ? قال أبو بكرة : أنا . قال : فذكره .
وإسناده حسن في المتابعات , وقد رواه ابن السكن في " صحيحه " نحوه وفيه قوله : " انطلقت أسعى ... " وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من الساعي ..." ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ . " جئت ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع , وقد حفزني النفس فركعت دون الصف .. " الحديث . وإسناده صحيح , فإن قوله " حفزني النفس " معناه اشتد , من الحفز وهو الحث والإعجال , وذلك كناية عن العدو .
الثالث : ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه .
وإذا تبين لنا ما سبق , فهل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تعد " نهي عن هذه الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها . ذلك ما أريد البحث فيه وتحقيق الكلام عليه فأقول :
أما الأمر الأول , فالظاهر أنه لا يدخل في النهي , لأنه لو كان نهاه عنه لأمره بإعادة الصلاة لكونها خداجاً ناقصة الركعة , فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها , وعلى عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها , وقول الصنعاني في " سبل السلام " ( 2 / 23 ) : " لعله صلى الله عليه وسلم لم يأمره لأنه كان جاهلاً للحكم , والجهل عذر " .
فبعيد جداً , إذ قد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة أمره صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلاً أيضاً فكيف يأمره بالإعادة وهو لم يفوت ركعة من صلاته وإنما الاطمئنان فيها , ولا يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة وقد فوت على نفسه ركعة , لو كانت لا تدرك بالركوع , ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهياً وقد فعله كبار الصحابة , كما تقدم في الحديث الذي قبله ? ! فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " لا تعد " .
وأما الأمر الثاني , فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات ولأنه لا معارض له , بل هناك ما يشهد له , وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً : " إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون , وأتوها وعليكم السكينة والوقار " الحديث متفق عليه .
وأما الأمر الثالث , فهو موضع نظر وتأمل , وذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه : " أيكم الذي ركع دون الصف , ثم مشى إلى الصف , مع قوله له : " لا تعد " , يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر , وإن كان ليس نصاً في ذلك لاحتمال أنه يعني شيئاً آخر غير هذا مما فعل , وليس يعني نهيه عن كل ما فعل , بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره . فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا الأمر الثالث أيضاً . وهذا وإن كان خلاف الظاهر , فإن العلماء كثيراً ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع , مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر , وترك العام للخاص , ونحو ذلك , وأنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل , فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة , وإذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر , ولا يشك عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما , لأن هذا دلالته على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله , وقد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً . ومما لا شك فيه أيضاً أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة بل محتملة , بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة , فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث .
وثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور :
أولاً : خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام وإعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد .
ثانياً : عمل كبار الصحابة به كأبي بكر وابن مسعود وزيد بن ثابت كما تقدم وغيرهم . فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول . بخلاف هذا الحديث فإننا لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة , فكان ذلك كله دليلاً قوياً على أن دلالته فيها مرجوحة , وأن حديث ابن الزبير هو الراجح في الدلالة عليها . والله أعلم .
وقد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث : " وقد رأيت عطاء يصنع ذلك " . قال الصنعاني ( 2 / 24 ) : " قلت . وكأنه مبني على أن لفظ " ولا تعد " بضم المثناة الفوقية , من الإعادة أي زادك الله حرصاً على طلب الخير ولا تعد صلاتك فإنها صحيحة وروي بسكون العين المهملة من العدو , وتؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة ( ثم ساقها , وقد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه , ثم قال )
والأقرب أن رواية ( لا تعد ) من العود أي لا تعد ساعياً إلى الدخول قبل وصولك الصف , فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يعيدها , بل قوله " زادك الله حرصاً " يشعر بأجزائها , أو " لا تعد " من ( العدو ) " .
قلت : لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع ولما دخل فيه الركوع خارج الصف , ولم يوجد بالتالي أي تعارض بينه وبين حديث ابن الزبير , ولكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت , فقد وقع في " صحيح البخاري " وغيره باللفظ المشهور : " لا تعد " . قال الحافظ في " الفتح " ( 2 / 214 ) : " ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود " .
ثم ذكر هذا اللفظ , ولكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت .
ويتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصف وإنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة والوقار كما تقدم التصريح بذلك من حديث أبي هريرة , وبهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : " قوله : لا تعد . يشبه قوله : لا تأتوا الصلاة تسعون " . ذكره البيهقي في " سننه " ( 2 / 90 ) .
فإن قيل : قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع ويخالف حديث ابن الزبير صراحة وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً .
" إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " .
قلنا : لكنه حديث معلول بعلة خفية , وليس هذا مكان بيانها , فراجع " سلسلة الأحاديث الضعيفة " ( رقم 981 ) .