سلسلة الأحاديث الصحيحة ــ المجلد الأول
للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى
الحديث رقم 160
" لا , ولكن تصافحوا . يعني لا ينحني لصديقه ولا يلتزمه , ولا يقبله حين يلقاه " .
قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 248 :
رواه الترمذي ( 2 / 121 ) وابن ماجه ( 3702 ) والبيهقي ( 7 / 100 ) وأحمد ( 3 / 198 ) من طرق عن حنظلة بن عبد الله السدوسي قال : حدثنا # أنس بن مالك # قال : " قال رجل : يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له ? قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا , قال : فيلتزمه ويقبله ? قال : لا , قال : فيصافحه ? قال : نعم إن شاء " .
والسياق لأحمد وكذا الترمذي , لكن ليس عنده : " إن شاء " ولفظ ابن ماجه نحوه وفيه : " لا , ولكن تصافحوا " .
والحديث رواه أيضاً محمد بن يوسف الفريابي في " ما أسند الثوري " ( 1 / 46 / 2 ) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " ( 97 / 1 ) وفي " الرباعيات " ( 1 / 93 / 2 ) والباغندي في " حديث شيبان وغيره " ( 191 / 1 ) وأبو محمد المخلدي في " الفوائد " ( 236 / 2 ) والضياء المقدسي في " المصافحة " ( 32 / 2 ) وفي " المنتقى من مسموعاته بمرو " ( 28 / 2 ) كلهم عن حنظلة به .
وقال الترمذي : " حديث حسن " .
قلت : وهو كما قال أو أعلا , فإن رجاله كلهم ثقات غير حنظلة هذا فإنهم ضعفوه , ولكنهم لم يتهموه , بل ذكر يحيى القطان وغيره أنه اختلط , فمثله يستشهد به , ويقوى حديثه عند المتابعة , وقد وجدت له متابعين ثلاثة :
الأول : شعيب بن الحبحاب .
أخرجه الضياء في " المنتقى " ( 87 / 2 ) من طريق أبي بلال الأشعري حدثنا قيس بن الربيع عن هشام بن حسان عن شعيب به إلا أنه ذكر السجود بدل الالتزام .
وهذا إسناد حسن في المتابعات فإن قيس بن الربيع صدوق , ولكنه كان تغير لما كبر , وأبو بلال الأشعري اسمه مرداس ضعفه الدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات ومن فوقهما ثقتان من رجال الشيخين .
وهذه المتابعة أخرجها أيضاً أبو الحسن المزكي كما أفاده ابن المحب في تعليقه على " كتاب المصافحة " ومن خطه نقلت .
الثاني : كثير بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك به دون ذكر الانحناء والالتزام .
أخرجه ابن شاهين في " رباعياته " ( 172 / 2 ) : حدثنا محمد بن زهير قال : حدثنا مخلد بن محمد قال : حدثنا كثير بن عبد الله .
وكثير هذا ضعيف كما قال الدارقطني , وقال الذهبي : " وما أرى رواياته بالمنكرة جداً , و قد روى له ابن عدي عشرة أحاديث ثم قال : " وفي بعض روايته ما ليس بمحفوظ " .
قلت : فمثله يستشهد به أيضاً إن شاء الله تعالى , لكن من دونه لم أجد من ترجمهما .
الثالث : المهلب بن أبي صفرة عن أنس مرفوعاً بلفظ : ( لا ينحني الرجل للرجل , ولا يقبل الرجل الرجل , قالوا : يصافح الرجل الرجل ? قال : نعم ) .
رواه الضياء في " المنتقى " ( 23 / 1 ) من طريق عبد العزيز بن أبان حدثنا إبراهيم بن طهمان عن المهلب به .
قلت : المهلب من ثقات الأمراء كما في " التقريب " , لكن السند إليه واه , فإن عبد العزيز بن أبان هذا متروك وكذبه ابن معين وغيره كما قال الحافظ , فلا يستشهد بهذه المتابعة . ولكن ما قبلها من المتابعات يكفي في تقوية الحديث , وكأنه لذلك أقر الحافظ في " التلخيص " ( 367 ) تحسين الترمذي إياه .
ومنه تعلم أن قول البيهقي : " تفرد به حنظلة " فليس بصواب والله أعلم .
إذا عرفت ذلك ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث , فقد ألف جزءاً صغيراً أسماه " إعلام النبيل بجواز التقبيل " حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث التقبيل ما صح منها وما لم يصح , ثم أورد هذا الحديث وضعفه بحنظلة ولعله لم يقف على هذه المتابعات التي تشهد له , ثم تأوله بحمله على ما إذا كان الباعث على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلاً ! وهذا تأويل باطل , لأن الصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التقبيل , لا يعنون به قطعاً التقبيل المزعوم , بل تقبيل تحية كما سألوه عن الانحناء والالتزام والمصافحة فكل ذلك إنما عنوا به التحية فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة , فهل هي المصافحة لمصلحة دنيوية ?!اللهم لا .
فالحق أن الحديث نص صريح في عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء , ولا يدخل في ذلك تقبيل الأولاد والزوجات , كما هو ظاهر , وأما الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة , مثل تقبيله واعتناقه لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة , وتقبيله واعتناقه لأبي الهيثم ابن التيهان وغيرهما , فالجواب عنها من وجوه :
الأول : أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة . ولعلنا نتفرغ للكلام عليها , وبيان عللها إن شاء الله تعالى .
الثاني : أنه لو صح شيء منها , لم يجز أن يعارض بها هذا الحديث الصحيح , لأنها فعل من النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل الخصوصية , أو غيرها من الاحتمالات التي توهن الاحتجاج بها على خلاف هذا الحديث , لأنه حديث قولي وخطاب عام موجه إلى الأمة فهو حجة عليها , لما تقرر في علم الأصول أن القول مقدم على الفعل عند التعارض , والحاظر مقدم على المبيح , وهذا الحديث قول وحاظر , فهو المقدم على الأحاديث المذكورة لو صحت .
وكذلك نقول بالنسبة للالتزام والمعانقة , أنها لا تشرع لنهي الحديث عنها , لكن قال أنس رضي الله عنه : " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا , وإذا قدموا من سفر تعانقوا " .
رواه الطبراني في الأوسط , ورجاله رجال الصحيح كما قال المنذري ( 3 / 270 ) والهيثمي ( 8 / 36 ) وروى البيهقي ( 7 / 100 ) بسند صحيح عن الشعبي قال : " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا صافحوا , فإذا قدموا من سفر عانق بعضهم بعضا " .
وروى البخاري في " الأدب المفرد " ( 970 ) وأحمد ( 3 / 495 ) عن جابر بن عبد الله قال : " بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا , ثم شددت عليه رحلي , فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس , فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب , فقال : ابن عبد الله ? قلت : نعم , فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته " الحديث , وإسناده حسن كما قال الحافظ ( 1 / 195 ) وعلقه البخاري .
فيمكن أن يقال : إن المعانقة في السفر مستثنى من النهي لفعل الصحابة ذلك , وعليه يحمل بعض الأحاديث المتقدمة إن صحت . والله أعلم .
وأما تقبيل اليد , ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة , يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط الآتية :
1 - أن لا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته , ويتطبع هؤلاء على التبرك بذلك , فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن قبلت يده فإنما كان ذلك على الندرة , وما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة , كما هو معلوم من القواعد الفقهية .
2 - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره , ورؤيته لنفسه , كما هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم .
3 - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة , كسنة المصافحة , فإنها مشروعة بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله , وهي سبب تساقط ذنوب المتصافحين كما روي في غير ما حديث واحد , فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر , أحسن أحواله أنه جائز